محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

264

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

يَخَافَ الخلودَ في النار ، ولو كان إلى مجرد الحياءِ من الله تعالى ، وإلإِجلالِ له ، والقيامِ بحقه لم يرفع إلى ذلك رأساً ، ولا هَمَّ به أبداً ، فهذه طبيعة شرارِ العبيد ، وخِساس الهِمَمِ ، ولهذا قيل : والعبد لا يَرْدَعُهُ إلا العَصَا ، وإن كثيراً من الصالحين المتوسطين - دَعْ عنكَ الأكابر - لو يعلمُ أنَّ الله قد غَفرَ له كُلَّ ذنب ، ولكنه يكره المعصية منه ، ولا يرضاها له ، ولا يأذَنُ له بها لمْ يَفْعَلْهُ لو أرِيقَ دمُه ، وفارق روحَه ، وقد روي في الحديث " نِعْمَ العَبْدُ صهيْبٌ لَوْ لَمْ يخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ " ( 1 ) بل هذه حالُ كثير من المحبين للمخلوقين فيما بينَهم ، وفي ذلك يقول شاعرُهم : أهَابُكِ إجْلاَلاً ومَا بِكِ قُدْرَةٌ . . . عَلَيَّ وَلكِنْ مِلءُ عيْنٍ حَبِيبُهَا ( 2 ) فهذا معلوم فيما بينَ المتحابين من المخلوقين والذين آمنوا أشدُّ حبّاً لله .

--> ( 1 ) قال السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص 449 : اشتهر في كلام الأصوليين ، وأصحاب المعاني ، وأهل العربية من حديث عمر ، وذكر البهاء السبكي إنَّه لم يظفر به في شيء من الكتب ، وكذا قال جمع جم من أهل اللغة ، ثم رأيت بخط شيخنا ( الحافظ ابن حجر ) أنه ظفر به في " مشكل الحديث " لأبي محمد بن قتيبة ، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسناداً ، وقال : أراد أن صهيباً إنما يطيع الله حباً ، لا مخافة عقابه . وقال السيوطي - فيما نقله عنه القاري في " الموضوعات الكبرى " - في " شرح نظم التلخيص " : كثر سؤال الناس عن حديث " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " ونسبه بعضهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونسبه ابن مالك في " شرح الكافية " وغيره إلى عمر رضي الله عنه ، قال الشيخ بهاء الدين السبكي : لم أر هذا الكلام في شيء من كتب الحديث لا مرفوعاً ولا موقوفاً لا عن عمر رضي الله عنه ولا عن غيره مع شدة التفحيص عنه . ( 2 ) وبعض المفسرين ينشدونه عند قوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } لتوجيه قراءة من قرأ برفع الهاء من لفظ الجلالة ، ونصب الهمزة من العلماء ، ونسبوها إلى أبي حنيفة ، وتكلفوا توجيهها ، وهي قراءة موضوعة لا تصح نسبتها إليه ، افتعلها وغيرها الخزاعي ، ونسبها إلى أبي حنيفة . وراج صنيعه ذلك على أكثر المفسرين . بين ذلك ابن الجزري في " النشر " 1 / 16 ، فراجعه .